الهدية هي رمز المحبة التي تكون من الهادي إلى المُهدى إليه . وهي عنوان المحبة التي تخرج إلى الواقع الخارجي بصورة الهدية . فيفهم المهدى إليه أنه محبوب من قبل الهادي فيشكره على تلك الهدية أما بردها ، أو الثناء عليها .
والهدايا تختلف بحسب الهادي والمهدى إليه . فلا يمكن حصر الهدية في شكل واحد ، ولا نوع معين . بل هي تختلف باختلاف الوقت والمكان والشخص وغيرها . فلو أعطيت اناسنا مريضا دواء غالي الثمن يحتاج اليه ليتعافى . فإن الدواء هدية ثمنينة لذلك المريض لا تبالغ تلك الدرجة لإنسان صحيح البدن . فالهديا ليست على مستوى واحد وإن حملت في داخليها وطيتها المحبة والتقدير والشوق للأخر .
وبعد تقرير هذا نقول :
ماهي هدية السماء لنا ؟
وكيف هي ؟
وهل ترسل السماء هدايا لأهل الأرض ؟
نعم السماء ترسل هدايا لأهل الأرض من غير توقف ولا بخل لقوله تعالى : (كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا ) فالسماء ترسل عطاءا وهذه العطاء هو هدية من الله لعباده ولم يتوقف ذلك العطاء أبدا . ولكن ماهي هدية السماء لنا ؟ وكيف هي ؟
الهدايا من السماء مختلفة فقد تكون رزقا محضا وخيرا ظاهرا وباطنا . وقد تكون زرقا وخيرا ولكن ظاهره عذاب وباطنه رحمه . وهنا يتوقف على نظر الإنسان وبصيرته . فمن يملك البصيرة لا يقتصر نظره على الظاهر فقط . بل يشاهد الباطن فيعلم أن ما يحصل عليه من السماء ماهو إلا خير محض ولو كان بصور العذاب الظاهرية .
والهدية التي تكون بهذه الصفة لها أسم خاص في السماء وهي هدية تسمى ( بالبلاء ) فالبلاء ظاهره بلاء وعذاب ، ولكنه رحمة ونعمة لذلك خص الله بهذه الهدايا أناس خاصيين جدا وهم الاقربين الى الله سبحانه وتعالى إلا وهم الأنبياء ، والامثل والامثل ففي الروايات عن مقام العصمة تحت باب سرعة البلاء إلى المؤمن ]المؤمنين[ في كتاب التمحيص بالبلاء .
1- عن أبي عبيدة الحذاء قال قال أبو جعفر عليه السلام يا زياد إن الله يتعهد عبده المؤمن بالبلاء كما يتعهد الغائب أهله بالهدية و يحميه الدنيا كما يحمي الطبيب المريض .
لاحظ عبارة الإمام إن الله يتعهد عبده المؤمن بالبلاء كما يتعهد الغائب اهله بالهدية . فبمقابلة بين البلاء ، والهداية نجد إن الهدف منهم واحد ، والغاية واحدة وهي المحبة .
2- عن يونس بن يعقوب قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول ملعون كل بدن لا يصاب في كل أربعين يوما قلت ملعون قال ملعون قلت ملعون قال ملعون فلما رآني قد عظم ذلك علي قال يا يونس إن من البلية الخدشة و اللطمة و العثرة و النكبة و الهفوة و انقطاع الشسع و اختلاج العين و أشباه ذلك إن المؤمن أكرم على الله من أن يمر عليه أربعون يوما لا يمحصه فيها من ذنوبه و لو بغم يصيبه لا يدري ما وجهه و الله إن أحدكم ليضع الدراهم بين يديه فيزنها فيجدها ناقصة فيغتم بذلك ثم يعيد وزنها فيجدها سواء فيكون ذلك حطا لبعض ذنوبه .
3- عن علي بن أبي حمزة عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال المؤمن مثل كفتي الميزان كلما زيد في إيمانه زيد في بلائه .
4- عن أبي حمزة الثمالي قال قال أبو عبد الله عليه السلام يا أبا حمزة ما كان و لن يكون مؤمن إلا و له بلايا أربع :
إما أن يكون جار يؤذيه
أو منافق يقفو أثره
أو مخالف يرى قتاله جهارا
أو من (مؤمن) يحسده .
ثم قال أما إنه أشد الأربعة عليه (المؤمن ) لأنه يقول فيصدق عليه و يقال هذا رجل من إخوانه فما بقاء (ممانعا) المؤمن بعد هذا (هذه) .
5- عن ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله عليه السلام قال لو يعلم المؤمن ما له في المصائب من الأجر لتمنى أن يقرض بالمقاريض .
6- عن عبد الله بن المبارك قال سمعت جعفر بن محمد عليه السلام يقول : إذا أضيف البلاء إلى البلاء كان من البلاء عافية
7- عن معاوية بن عمار قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول ما من مؤمن إلا و هو يذكر البلاء يصيبه في كل أربعين يوما أو بشيء من ماله و ولده ليأجره الله عليه أو بهم لا يدري من أين هو .
8- عن أبي الحسن الأحمسي عن أبي عبد الله عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه واله : إن الله ليتعهد عبده المؤمن بأنواع البلاء كما يتعهد أهل البيت سيدهم بطرف الطعام ثم قال :
و يقول الله جل جلاله ك و عزتي و جلالي و عظمتي و بهائي إني لأحمي وليي أن أعطيه في دار الدنيا شيئا يشغله عن ذكري حتى يدعوني فأسمع صوته و إني لأعطي الكافر منيته حتى لا يدعوني فأسمع صوته بغضا له .
فنحن في هذه الجولة السريعة مع هذه الروايات نجد أن البلاء هو هدية من السماء المراد بها حفظ المؤمن من الضياع في عالم الدنيا ، و من الغفلة عن الله سبحانه وتعالى ، وفيها كفارة للذنوب ، وتغير الواقع بما فيها خير للإنسان في عاجله وأجله .
ولكن هناك فرق يجب أن نقف عنده ، ونعرف حده وهو :
ماهو الفرق بين ما يحصل للإنسان من مصائب والبلاء ؟ وهل كل مصيبة هي بلاء وامتحان أو هناك فرق ؟
نعم يوجد فرق بين المصيبة التي تصدر من الإنسان بسبب معصية يقترفها ، وذنب يكتسبه كما قال الله تعالى (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ) .
فإذا اقترف الإنسان خطئا أمام ربه فجاءه العقاب السماوي فهذا مصيبة نزلت عليه بسبب تصرفه وما اكتسبت يداه من سوء فعله . والامر يسمى مصيبة .
والبلاء هو امتحان من الله لعبده أما ليرفع درجاته ، ويربيه حتى يتكامل أكثر وأكثر وهو قوله تعالى (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ () الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ )
والآية الشريفة وإن ذكرت المصيبة مقابل الامتحانات الالهية . وهذا لا ينافي ما ذكرناه من التفريق بينهم إلا أن التأمل يشير إلى ان المصيبة هنا بمعنى الابتلاء الظاهري في مفهوم اللفظ وإلا في واقعه فهو بلاء وامتحان ولذلك كان فيه جزاء وثواب والله العالم .
النتيجة ماهي :
عليك أن تعرف أن كل بلاء يحيط بك ماهو إلا نعمة من الله يجب أن لا تحزن عليها ، و لاتجعل حياتك سوداء قاتمة اللون لأنك خسرت هنا ، أو فقدت عزيزا هناك .. الحياة صنيعة الله . وأنت صينعة ولا تخرج الصنعة إلا في أحسن حال ، وبأفضل صورة . والله سبحانه يحبك ومادام الله يحبك فهو لا يفعل إلا ما فيه خيرك ورضاك فانظر إلى كل شيء على أنه خير يريد الله أن يربيك به كما قال تعالى (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ )
(تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ () الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ) .
وردد العبارة التي كان الامام الخميني يقولها رحمه الله ( الخير فيما وقع ) .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخنا العزيز .. بوركت يداك على هذا الموضوع ..
الحمد لله على نعمة البلاء نحن في نعمة ولا أحد يدرك قيمتها إلا القليل منا فهنيء لمن يشكر ويحمد الله على نعمة البلاء ففي ذلك كفارة الذنوب . فشكرا للخالق وشكرا لك مره إخرى . & .