المشرف - 28/04/2008م - 2:01 م | مرات القراءة: 239
ـ التقية في سيرة المسلمين:
لقد تعاطى المسلمون مع مبدأ التقية منذ الصدر الأول في الإسلام, ومارسوها كأي مفردة من المفردات الإسلامية المشرّعة في الدين الإسلامي، بل الذي يتصفح سيرة المسلمين في التاريخ الإسلامي يجد أن التقية من المبادئ المتجذرة لديهم على جميع مستوياتهم, فقد مارس التقية الصحابة والتابعين والعلماء وعامة الناس، ونستعرض فيما يلي بعض تلك المواقف تجاه مبدأ التقية الذي أمضاه القرآن والسنة النبوية بعد أن كان مشرّعاً في الديانات السابقة:
1- ما تقدم من تقية عمار بن ياسر وجماعة مع المشركين وقد أمضاها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقال له: (إن عادوا فعد).
2- الصحابي الذي شهد بالنبوة تقية لمسيلمة الكذاب وقد تقدم، وقال في حقه رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه), وهذا يكشف عن أن الترخيص في التقية كان متعارفاً على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
3- تقية حذيفة بن اليمان وقد تقدمت أيضاً فلاحظ.
4- تقية حذيفة أيضاً مع عثمان بن عفان، قال السرخسي في المبسوط: (عن النزال بن سيدة, قال: جعل حذيفة يحلف لعثمان على أشياء بالله ما قالها، وقد سمعناه يقولها، فقلنا: له يا أبا عبد الله سمعناك تحلف لعثمان على أشياء ما قلتها وقد سمعناك قلتها، فقال: إني أشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن يذهب كلّه) ثم قال السرخسي: (وإن حذيفة من كبار الصحابة وكان بينه وبين عثمان بعض المداراة فكان يستعمل معاريض الكلام فيما يخبره به)(76).
و في لفظ آخر: (دخل ابن مسعود وحذيفة على عثمان، فقال عثمان لحذيفة: بلغني أنك تقول كذا وكذا؟ قال لا والله ما قلته، فلما خرج قال له عبد الله: مالك فلم تقوله ما سمعتك تقول؟ قال: إني أشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن يذهب كلّه)(77).
5- تقية أبي هريرة وقد سبق ذكرها أيضاً.
6- تقية مجموعة من الصحابة من معاوية بن أبي سفيان، حيث أخرج النسائي في سننه وغيره عن سعيد بن جُبير, قال: (كنت مع ابن عباس بعرفات، فقال مالي لا أسمع الناس يلبّون؟ قلت يخافون من معاوية!، فخرج ابن عباس من فسطاطه، فقال: لبيك اللهم لبيك، فإنهم تركوا السنة من بغض عليّ)(78).
7- تقية سعيد بن جبير، قال أبو عبيد بن سلام: حدثنا مروان بن معاوية عن حسان بن أبي يحيى الكندي، قال: (سألت سعيد بن جبير عن الزكاة؟ فقال: ادفعها إلى ولاة الأمر, فلما قام سعيد تبعته, فقلت: إنك أمرتني أن أدفعها إلى ولاة الأمر وهم يصنعون بها كذا ويصنعون بها كذا؟ فقال: ضعها حيث أمرك الله، سألتني على رؤوس الناس فلم أكن لأخبرك)(79).
8- تقية رجاء بن حيوة مع الوليد بن عبد الملك، وهو ما أخرجه القرطبي وغيره عن إدريس بن يحيى قال: (كان الوليد بن عبد الملك يأمر جواسيس يتجسسون الخلق ويأتون بالأخبار... فجلس رجل منهم في حلقة رجاء بن حيوة فسمع بعضهم يقع في الوليد، فرفع ذلك إليه.
فقال: يا رجاء أُذكر بالسوء في مجلسك ولم تُغيّر؟!
فقال: ما كان ذلك يا أمير المؤمنين.
فقال له الوليد: قل الله الذي لا إله إلا هو.
قال: الله الذي لا إله إلاّ هو.
فأمر الوليد بالجاسوس فضرب سبعين سوطاً، فكان يلقى رجاء فيقول: يا رجاء بك يستسقى المطر وسبعين سوطاً في ظهري!!
فيقول رجاء: سبعون سوطاً في ظهرك، خير لك من أن يقتل رجل مسلم)(80).
9- تقية واصل بن عطاء مع الخوارج، حيث أخرج ابن الجوزي وغيره عنه أنه خرج يريد سفراً في رهط، فاعترضهم جيش من الخوارج، فقال واصل: (لا ينطقنّ أحد ودعوني معهم، فقصدهم واصل، فلما قربوا بدأ الخوارج ليوقعوا، فقال: كيف تستحلّون هذا وما تدرون من نحن، ولا لأي شيء جئنا؟ فقالوا: نعم، من أنتم؟ قال: قوم من المشركين جئناكم لنسمع كلام الله، قال: فكفّوا عنهم، وبدأ رجل منهم يقرأ القرآن، فلما أمسك، قال واصل: قد سمعت كلام الله، فأبلغنا مأمننا حتى ننظر فيه وكيف ندخل في الدين، فقال: هذا واجب، سيروا، قال: فسرنا والخوارج – والله- معنا يحموننا فراسخ، حتى قربنا إلى بلد لا سلطان لهم عليه، فانصرفوا)(81).
10- تقية أبي حنيفة مع ابن أبي ليلى، حيث أخرج الخطيب البغدادي وغيره عن جابر قال: (بعث ابن أبي ليلى إلى أبي حنيفة، فسأله عن القرآن.
فقال: مخلوق.
فقال: تتوب، وإلاّ أقدمت عليك!
فقال: القرآن كلام الله.
فقال: فدار به في الخلق يخبرهم أنه قد تاب من قوله: القرآن مخلوق.
فقال أبي: فقلت لأبي حنيفة: كيف صرت إلى هذا وتابعته؟
قال: يا بني خفت أن يُقدم عليّ فأعطيته التقية)(82).
11- تقية الحسين بن داود بن سليمان القرشي، قال: (كنت أقرئ الناس القرآن بالكوفة, وكان جماعة القطعية يجتمعون إلى إسطوانة في الجامع قريبة من الحلقة التي أعلم الناس فيها وكانوا يقولون هذا الشيخ يُعلّم الناس القرآن من كذا وكذا سنة لا يؤجره الله ولا يثيبه؛ لأن هذا القرآن قد غير وبدل، ويخوضون في هذا، فكان يؤلم قلبي، ويمنعني من أذيتهم التقية، فطال ذلك عليّ، فلما كان عشية يوم الخميس اجتمعوا على العادة وتكلموا كما كانوا يتكلمون وأكثروا في ذلك وأسرفوا في القول وانصرفوا، فرحت عشية ذلك اليوم وأنا مغموم مهموم من كلامهم، فلما أخذت مضجعي ونمت، رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله), فقلت: إلى الله وإليك المُشتكى يا رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، قال: مم؟ فقلت: من قوم يجيئون فيقولون أني ألقن القرآن من سبعين سنة لا يؤجرني الله عليه وأن هذا القرآن قد غير وبدل, فقال رسول الله(صلّى الله عليه وآله): عقب, فعقبت, وابتدأت فقرأت القرآن عليه من الحمد إلى قول برب الناس، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هكذا أنزل علي وهكذا أُقرئت القرآن، فانتبهت والفجر قد اعترض، فخررت لله ساجداً شاكراً له وحمدته كثيراً، وقمت إلى المسجد فصليت الفجر، وانثنيت فحدثت أصحابي بما رأيت، وقلت: قد كان يمنعني من هؤلاء القوم التقية وبعد هذا فلا تقية)(83).
12- تقية سعدويه سعيد بن سلميان حول محنة خلق القرآن، حيث قال الذهبي عند ترجمته لسعدويه: (وأما أحمد بن حنبل فكان يغض منه ولا يرى الكتابة عنه، لكونه أجاب في المحنة تقية ـ إلى أن قال ـ قيل لسعدويه بعدما انصرف من المحنة: ما فعلتم؟ قال كفرنا ورجعنا)(84).
13- تقية أبي نصر التمّار، حيث أجاب في محنة خلق القرآن تقية، وقال الذهبي في حقه: (أجاب تقية وخوفاً من النكال وهو ثقة بحاله ولله الحمد)(85).
14- تقية إبراهيم بن المنذر بن عبد الله في تلك المحنة، حيث قال السبكي في حقّه: (كان حصل عند الإمام أحمد منه شيء، لأنه قيل: خلط في مسألة القرآن كأنه مجمج في الجواب، قلت: وأرى ذلك منه تقية وخوفاً)(86).
15- تقية يحيى بن معين، أخرج الذهبي عن الحافظ أبي زرعة الرازي قوله: (كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن أبي نصر التمار، ولا عن يحيى بن معين ولا عن أحد ممن امتحن فأجاب), ثم يُعلق الذهبي على ذلك قائلاً: (قلت: هذا أمر ضيق ولا حرج على من أجاب في المحنة، بل ولا على من أكره على صريح الكفر عملاً بالآية، هذا هو الحق، وكان يحيى رحمه الله من أئمة السنة، فخاف من سطوة الدولة وأجاب تقية)(87).
16- تقية إسماعيل بن حمّاد في محنة القرآن، قال ابن حجر في لسان الميزان: (قال يوسف في المرآة: وكان إسماعيل بن حمّاد ثقة صدوقاً لم يغمزه سوى الخطيب فذكره المقالة في القرآن، قال السبط: إنما قاله تقية كغيره)(88).
17- يدعي الذهبي أن تشيع علي بن موسى بن الحسين ابن السمسار الدمشقي كان على سبيل التقية وتوخي الضرر، حيث قال في هذا المجال: (ولعل تشيعه كان تقية لا سجية, فإنه من بيت الحديث، ولكن غلت الشام في زمانه بالرفض بل ومصر والمغرب بالدولة العبيدية, بل والعراق وبعض العجم بالدولة البويهية، واشتدّ البلاء دهراً، وشمخت الغلاة بأنفها، وتواخى الرفض والاعتزال حينئذ)(89).
18- وادعى أيضاً ابن حجر في لسان الميزان أن علي بن عيسى الرماني أظهر التشيع حذراً وتقية, ثم ذكر قول ابن النديم: (إن مصنفات علي بن عيسى الرماني التي صنفها في التشيع لم يكن يقول بها وإنما صنفها تقية لأجل انتشار مذهب التشيع في ذلك الوقت، وذكر له مع البسري الرفّاء حكاية مشهورة في ذلك)(90).
19- تقية الجمّ الغفير من العلماء وعامة الناس في محنة خلق القرآن, وتقدم بعض شواهدها, ومن هنا قال الذهبي في تلك المحنة: (من أجاب تقية فلا بأس عليه)(91).
20- تقية كثير من العلماء في حكم من الأحكام الشرعية.
حيث ذكر القرطبي في تفسيره ثلاث مسائل في بيان قوله تعالى: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) وقال في المسألة الثالثة: (قال ابن العربي: ولامتنان البارئ سبحانه وتعظيم المنّة في التين, وأنه مقتات مدّخر, فلذلك قلنا بوجوب الزكاة فيه، وإنما فرّ كثير من العلماء من التصريح بوجوب الزكاة فيه تقية جور الولاة؛ فإنهم يتحاملون في الأموال الزكاتية فيأخذونها مغرماً)(92).
هذه نبذة يسيره حول تعاطي المسلمين مع مبدأ التقية، وأن التقية كانت سلاحاً وعلاجاً ناجعاً يتعاطاه الفرد المسلم عندما يشعر بالخوف من ضرر الغير.
5 ـ التقية في نظر العقل والعقلاء:
لا شك أن العقل يدرك وجوب دفع الضرر ويحكم به وإن كان محتملاً، بل طبع العقلاء وسيرتهم جارية على دفع الضرر والفرار منه وجلب ما فيه السلامة والأمن والنجاة، وقد تقدم أن موارد التقية هي خوف الضرر، ولذا نجد العقلاء يلجئون في كثير من الأحيان إلى مجاراة الغير ومداراته إذا كانوا يخافون ضرره وعدوانه، ومن هنا يُعدّ ترك التقية في بعض الأحيان في الأوساط العقلائية خلاف العقل, فيما إذا كانت المنفعة المتوخاة في الدين أو الدنيا على خلاف المواجهة والتحدّي.
نعم الموارد التي تندرج ضمن مبادئ التضحية والفداء والدفاع عن العقيدة أو الوطن أو أي مواجهة تتضمن مدح العقل والعقلاء وتحسينهم لها، ففي مثل هذه الحالات يحكمون بحسن تلك المواجهة، ويخرجونه عن مواطن حكمهم بوجوب دفع الضرر والحذر منه.
والشريعة الإسلامية لم تخالف حكم العقل ولا سيرة العقلاء بل أمضتها قولاً وفعلاً وتقريراً، وليست التقية إلاّ شعبة من شعب حكم العقل بوجوب دفع الضرر بما يتناسب مع ذلك الضرر المحتمل، وليست موارد المواجهة الحسنة إلاّ استثناء من حكم العقل وسيرة العقلاء، بل قد تكون هي بنفسها ناشئة من حكم العقل والعقلاء بوجوب دفع الضرر سواء كان شخصياً أو نوعياً، وفي غير ذلك لا تكون التقية إلاّ ضرورة عقلية جرى عليها العقلاء في سيرتهم وتعاملهم مع الآخرين، وخصوصاً ولاة الجور وسفاكي الدماء، وهذا ما لوحظ بوضوح في محنة خلق القرآن الكريم كما تقدم بعض أمثلة ذلك, حيث التجأ المسلمون إلى التقية حفظاً على دمائهم وأعراضهم وأموالهم.
ويجد الإنسان أمثلة ذلك كثيرة جداً في نفسه ويومياته، بل يتجلى ذلك بوضوح لمن طالع التاريخ ولاحظ كيفية تعايش المستضعفين والمضطهدين مع جبابرة عصرهم وطغاة زمانهم.
ومن هنا نفهم أن التقية لم تكن معاصرة للشرائع السماوية فحسب, بل هي فطرة غرزها الله تبارك وتعالى في البشرية منذ أن كوّنها وخلقها.
والحاصل: أن التقية حكم عقلي وعقلائي أمضاه الشارع وعمل بها المسلمون.
6ـ الفطرة قاضية بجواز ومشروعية التقية:
لم تكن التقية حكماً عقلياً وعقلائياً فحسب بل هي حكم فطري, فكل إنسان فطره الله عز وجل على حفظ حياته وكلّ ما يتعلق به من أموال أو عرض أو معتقد, ولذا يحاول أن يتستر بفطرته على بعض تلك الأمور إذا أحس بالخطر في الإعلان عنها والإدلال عليها، فهو يُخفي بمقتضى تلك الفطرة أي كمال من الكمالات إذا وجد أن إخفاءه أبقى لوجوده من الإعلان عنه.
وهذه الفطرة سلاح زوده الله تعالى المستضعفين لمواجهة الجبابرة والطغاة الظالمين، ومن هنا نجد أن العقل السليم والعقلاء لم يلغوا هذه الفطرة، بل أقروها وساروا على هديها، وأقرّهم الشارع على ذلك؛ لأن الدين الإسلامي لم يأت لإلغاء العقول أو التعدي على مقتضيات الفطرة البشرية أو إلغاء دور العقلاء في السير الاجتماعي, بل جاء لتهذيب بعض الانحرافات التي قد تحصل بسبب ما تمليه النفس الأمارة بالسوء على الفرد أو المجتمع.
مؤسسة الكوثر
|